القرطبي
373
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض قال : يا رب هذه أحب إليك أن تعبد فيها ؟ قال : بل مكة . والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة ، واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك ، فطائفة تقول مكة ، وطائفة تقول المدينة . قوله تعالى : ( فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ) الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب ، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر : وإن فؤادا قادني بصبابة * إليك على طول المدى لصبور وقيل : جمع وفد ، والأصل أوفدة ، فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي ، فكأنه قال : واجعل وفودا من الناس تهوي إليهم ، أي تنزع ، يقال : هوي نحوه إذا مال ، وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا كأنها في هواء بئر ، وقوله : " تهوي إليهم " مأخوذ منه . قال ابن عباس ومجاهد : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس ، ولكن قال : " من الناس " فهم المسلمون ، فقوله : " تهوي إليهم " أي تحن إليهم ، وتحن إلى زيارة البيت . وقرأ مجاهد " تهوى ( 1 ) إليهم " أي تهواهم وتجلهم . ( وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) فاستجاب الله دعاءه ، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار ، وبما يجلب إليهم من الأمصار . وفي صحيح البخاري عن ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه : " فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئا فقال : هل جاءكم من أحد ! قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته ، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنا في جهد وشدة ، قال : فهل أوصاك بشئ : قالت : أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غير عتبة بابك ، قال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ألحقي بأهلك ، فطلقها وتزوج منهم أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده ، ودخل على امرأته فسألها عنه فقالت : خرج يبتغي لنا . قال :
--> ( 1 ) قال الآلوسي : مضارع هوى بمعنى أحب عدى بإلى . ( 2 ) أي كأنه أبصر ورأى شيئا لم يعهده .